اعترافات تحت السوط… مسرحية حوثية لتصفية المدنيين

اعترافات تحت السوط… مسرحية حوثية لتصفية المدنيين

 

من غرف التعذيب إلى شاشة التلفاز… هكذا يصنع الحوثي اعترافاته

لم يعد غريبًا على ميليشيا الحوثي أن تختلق عدوًا كلما احتاجت إلى تبرير جرائمها، أو تصنع “خلية تجسس” كلما أرادت تصفية حساباتها مع المدنيين والمشايخ والوجهاء. لكن ما بثته مؤخرًا من مشاهد لما سمّته “اعترافات خلية تجسسية” تجاوز حدود الدعاية السياسية إلى مستوى الانحطاط الإنساني والقانوني.

المشهد لم يكن اعترافات حقيقية، بل عرضًا مسرحيًا رديئًا أُنتج داخل غرف التحقيق، وتحت وطأة التعذيب والإخفاء القسري والتهديد. رجال مدنيون، بعضهم مرضى وكبار في السن، ظهروا أمام الكاميرا يتحدثون بارتباك واضح، وبلغة مقطّعة لا تحمل أي منطق أمني متماسك، وكأن النص قد وُضع أمامهم مسبقًا ثم طُلب منهم قراءته كما هو.

الأكثر فجاجة في هذه المسرحية هو الزج باسم الشيخ عماد شايع محمد، ومحاولة تقديمه كعنصر قادر على تنفيذ مهام تجسسية معقدة، بينما يعرف أهله ومنطقته أنه يعاني من شلل نصفي إثر إصابة قديمة في العنق، وأنه لا يستطيع الحركة أو خدمة نفسه. فكيف لعاجز عن قضاء حاجاته اليومية أن يتحول في الرواية الحوثية إلى رجل استخبارات خارق؟ هذا السؤال وحده يكفي لهدم الرواية من أساسها.

استهداف الشيخ عماد لا يمكن فصله عن سياق الترهيب الذي تمارسه الميليشيا بحق مشايخ ريمة ووجهائها، وخصوصًا بني العيد. الرسالة واضحة: من يتواصل مع قريبه، أو يحتفظ بعلاقة اجتماعية مع أبناء محافظته في مناطق الشرعية، يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى “عميل” في نشرة حوثية، وتصبح تهمة التجسس جاهزة للاستخدام متى ما أرادت الميليشيا القمع أو الابتزاز أو الانتقام.

ولعل من أكثر ما يفضح تخبط الميليشيا أنها، في الوقت الذي بثت فيه تلك الاعترافات المفبركة، حاولت احتواء الغضب القبلي عبر استقبال شقيق الشيخ عماد، الشيخ عنان شايع. وهذا التناقض يكشف أن القضية ليست أمنية كما تزعم، بل ملف سياسي وانتقامي جرى تغليفه بغلاف أمني لإرهاب الناس وتكميم الأفواه.

إن أسماء الضحايا الذين جرى عرضهم في هذه المسرحية، ومنهم عبدالرحمن عادل عبدالرحمن، وفاروق علي راجح، وعماد شايع محمد، والمسن علي مثنى ناصر، ليست أسماء “خلية” كما تروّج الميليشيا، بل أسماء مختطفين ومدنيين تعرضوا للإخفاء القسري والتعذيب والتهديد. وما ظهر عليهم من ارتباك وتقطيع في الكلام وانعدام للترابط المنطقي يؤكد أن ما قيل لم يكن اعترافًا حرًا، بل أقوالًا منتزعة تحت الإكراه.

قانونيًا، لا قيمة لأي اعتراف يُنتزع تحت التعذيب. وأخلاقيًا، لا يمكن اعتبار الضحية شاهدًا على نفسه حين يكون بين أيدي جلاديه. وما فعلته الميليشيا ليس إثباتًا لجريمة، بل دليل إضافي على جريمتها هي؛ جريمة الاختطاف، والإخفاء، والتعذيب، والتشهير، واستخدام الإعلام والقضاء أدوات للقتل المعنوي والجسدي.

لقد اعتادت ميليشيا الحوثي أن تربط خصومها، بل حتى المدنيين العاديين، بأجهزة استخبارات سعودية أو أمريكية أو إسرائيلية، في محاولة رخيصة لصناعة انتصارات وهمية أمام جمهورها. لكنها في كل مرة لا تكشف إلا عن خوفها، وعن عجزها عن مواجهة الحقيقة: أنها سلطة قمعية لا تعيش إلا على صناعة العدو، ولا تحكم إلا بالخوف.

ما حدث مع هؤلاء المختطفين ليس قضية فردية، بل نموذج خطير لاستهداف المدنيين وكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة، وتحويلهم إلى أدوات في دعاية سياسية سوداء. ولذلك فإن الصمت أمام هذه المسرحيات لا يعني الحياد، بل يمنح الجلاد فرصة جديدة لتكرار الجريمة مع ضحايا آخرين.

إن المطلوب اليوم موقف حقوقي وإنساني واضح من المنظمات المحلية والدولية، ومن المجتمع الدولي والمبعوث الأممي، لإيقاف هذه المحاكمات الهزلية، وإلغاء كل ما ترتب عليها، والعمل العاجل على إطلاق سراح المختطفين، ومحاسبة المسؤولين عن التعذيب والإخفاء القسري وتلفيق التهم.

في النهاية، لن تتحول المسرحية إلى حقيقة مهما رفعت الميليشيا صوتها، ولن يصبح المختطف جاسوسًا لأنه قرأ نصًا تحت التعذيب. الحقيقة أبسط من كل هذا الزيف: هناك مدنيون أبرياء اختُطفوا، عُذبوا، وأُجبروا على قول ما لا يؤمنون به. وهناك ميليشيا تستخدم القضاء والإعلام لتبرير جرائمها.

والاعتراف المنتزع تحت السوط ليس اعترافًا… بل وثيقة إدانة للجلاد.

🖊️ ناجي محمد القرطحي

اعترافات تحت السوط… مسرحية حوثية لتصفية المدنيين الخبر السابق

اعترافات تحت السوط… مسرحية حوثية لتصفية المدنيين

علي عبدالله صالح.. مسيرة قائد الخبر التالي

علي عبدالله صالح.. مسيرة قائد