سرقة البيانات الرقمية: الهجمات تتسارع لتنتهي في 72 دقيقة فقط
صنعاء التي نعشقها.. تتوجع وترسم صورة لكل اليمن!
بين صورة الوليّ ووجع المدينة... حين تصبح صنعاء مرآةً لوجع اليمن في هذه الصورة التي التقطتها عينٌ عابرة في أحد شوارع صنعاء المختطفة، يتجسد مشهدٌ يلخّص حكاية مدينةٍ كاملة. لا تحتاج كثيراً من الشرح، فالمفارقة فيها صارخة إلى حدٍّ يجعلها أقرب إلى شهادةٍ صامتة على زمنٍ مختلّ. لوحةٌ ضخمة تعلو الشارع، تحمل صورة المرشد الإيراني الهالك علي خامنئي، مرفوعة على عمودٍ شاهق كأنها تراقب المدينة من علو، بينما في أسفل المشهد تماماً، على حافة الرصيف، تجلس نساءٌ يبعن القليل مما تبقى من قدرة الإنسان على الاحتمال. نساءٌ أنهكتهنّ الحاجة، وأثقلتهنّ سنوات الحرب، والانقلاب. فوجدن أنفسهن في مواجهة الشارع، يمددن صبرهن مثل بساطٍ قديم فوق الأسفلت البارد. هنا تتكثف الحكاية ليس الأمر مجرد صورةٍ سياسية معلّقة في شارع، ولا مجرد بائعاتٍ فقيرات في مدينةٍ متعبة. بل هو مشهدٌ يختصر التناقض الذي تعيشه صنعاء منذ سنوات؛ مدينةٌ تُرفع فوقها رموزُ مشاريعٍ عبثية عابرة للحدود، بينما يسقط تحتها الإنسان اليمني في هوة الفقر والعوز. في المدن الطبيعية تُرفع صور القادة الذين يبنون المدارس والمستشفيات والطرق. أما في صنعاء اليوم، فقد صارت الشوارع ممراتٍ لصورٍ مستوردة، بينما أبناؤها يقفون على أرصفة الانتظار. هذه المرأة الجالسة على الرصيف، بعباءتها السوداء وملامحها المتعبة، ربما لا تعرف كثيراً عن الصراعات الإقليمية ولا عن نظريات “المحور” و“المقاومة”. كل ما تعرفه أن عليها أن تعود إلى بيتٍ ينتظر فيه أطفالٌ لقمة عشاء. وأن اليوم إن مرّ بلا بيعٍ، فربما يمرّ الليل بلا طعام. إنها الفجوة العميقة بين الشعارات والواقع ففي الوقت الذي تُغرق فيه ميليشيا الحوثي المدن بصور الرموز الإيرانية وشعارات الولاء، يغرق المجتمع اليمني أكثر في الفقر والانكسار. الموظف بلا راتب منذ سنوات. الاقتصاد مشلول. المدارس مهددة. والأسر تتآكل تحت وطأة الحاجة. لكن اللافت في هذه الصورة ليس الفقر وحده، فالفقر فحسب، بل اللافت هو هذا الإصرار على تحويل الفضاء العام للمدينة إلى معرضٍ لرموزٍ لا تنتمي إلى وجدانها ولا إلى تاريخها. صنعاء التي كانت يوماً عاصمة الثقافة والتاريخ، صارت اليوم مسرحاً لراياتٍ وصورٍ تحاول إعادة تشكيل هويتها بالقوة. غير أن المدن العريقة لا تُعاد كتابتها باللافتات فصنعاء التي عاشت آلاف السنين، واحتضنت حضاراتٍ وأسواقاً ومساجد ومدارس، تعرف جيداً أن هويتها لا تُعلَّق على الأعمدة الحديدية، بل تُكتب في وجوه أهلها، وفي تعب نسائها، وفي صبر رجالها، وفي ذاكرة حجارتها القديمة. وفي هذه الصورة تحديداً، تقف الحقيقة عارية فوق… صورة رجلٍ يمثل مشروعاً عبثي بواجه سياسية بعيداً عن اليمن. وتحت… نساءٌ يمثلن وجع اليمن الحقيقي. بين الاثنين مسافةٌ هائلة، ليست مجرد ارتفاع عمودٍ معدني، بل مسافة بين خطاب لسلطة انقلاب وواقع الناس. وربما لهذا تبدو الصورة قاسية إلى هذا الحد. إنها لا تحتاج تعليقاً طويلاً، لأنها تقول كل شيء... مدينةٌ رُفعت فيها الصور… وانخفض فيها الإنسان. لكن التاريخ علمنا أيضاً أن المدن التي تتعب لا تموت. وأن الشعوب التي تصبر طويلاً، تكتب في النهاية قصتها بيدها. وسيأتي يومٌ تُرفع فيه في شوارع صنعاء صور أبنائها الحقيقيين؛ أولئك الذين أعادوا للمدينة خبزها، وكرامتها، وضوءها القديم. أما هذه الصورة، فستبقى مجرد وثيقةٍ من زمنٍ حاول أن يجعل من صنعاء ظلّاً لغيرها… فانكشفت الحقيقة في رصيفٍ بارد، وفي امرأةٍ تنتظر رزق يومها بصمت