المقاومة الوطنية تؤيد خطاب العليمي وتدعم قراراته ضد الحوثيين
جذور الجمهورية اليمنية: رحلة فكرية سبقت ثورة 26 سبتمبر
لم تكن فكرة النظام الجمهوري لدى قادة ثورة 26 سبتمبر 1962 وليدة اللحظة، بل سبقتها عقود من النقاش والتداول داخل أوساط الحركة الوطنية اليمنية، والتي سعت إلى استبدال نظام الإمامة بنموذج حكم يعلي من شأن الشعب كمصدر للسلطة. هذا المقال يستعرض المسار التاريخي لتبلور هذه الفكرة، والتحولات الفكرية والسياسية التي صاحبتها، مسلطاً الضوء على التحديات التي واجهت تبنيها ودور العوامل الداخلية والخارجية في إنضاجها.
تعود جذور الطرح الجمهوري في اليمن إلى ما قبل ثورة الدستور عام 1948، حيث كانت فكرة التخلص من الإمامة وإقامة نظام جمهوري مطروحة لدى قلة من رواد الحركة الوطنية. إلا أن الظروف آنذاك لم تكن مواتية لتبنيها على نطاق واسع، إذ كان مفهوم الجمهورية غريباً عن معظم الشعب اليمني بسبب سياسات نظام الإمامة التي حدت من التعليم والتواصل الخارجي. هذا الغموض دفع البعض، مثل حسين الكبسي، إلى تفضيل حلول مرحلية كاستبدال إمام بآخر دستوري، تمهيداً للإصلاح التدريجي.
تشير بعض الروايات المبكرة، ومنها ما ورد على لسان الرحالة الإيطالي سلفاتور أبونتي، إلى أن علي الوزير كان ينادي بالجمهورية منذ عام 1935، معارضاً فكرة ولاية العهد. وعلى الرغم من أهمية هذه الإشارات، يرى بعض الباحثين ضرورة التعامل معها بحذر، مشيرين إلى أن معارضة ولاية العهد قد تكون مرتبطة بالعقيدة الإمامية نفسها. أما اجتماع زبيد بعد وفاة الإمام يحيى، فقد ناقش مسألة خلافة الإمامة، ورغم وجود اتجاهات تدعو للجمهورية، إلا أن الإجماع حولها لم يكن قائماً.
بعد فشل حركة 1948، دخلت فكرة الجمهورية في نقاشات أكثر جدية. فبينما كانت الجمهورية مفهوماً حديثاً نسبياً في المنطقة العربية، وقطاعات واسعة من اليمنيين لا تزال تجهلها، كان البعض لا يزال يفضل التغيير التدريجي. إلا أن محمد أحمد نعمان كان من أوائل المبادرين لتبني الفكرة، قبل أن تقنع شخصيات بارزة مثل الشهيد محمد محمود الزبيري بها. يفسر المناضل محمد عبد الله الفسيل تحفظ الكثيرين آنذاك بعمق إيمانهم بالإمامة كعقيدة راسخة، وأن الإمام يحيى كان يمثل رمزاً روحياً للإمامة، بينما أصبح ابنه أحمد رمزاً للبطش.
مع تراجع الهالة الدينية المحيطة بالإمامة، أصبحت الجمهورية أكثر قابلية للطرح كبديل جذري. أدرك محمد أحمد نعمان هذا التحول وسعى لنشر الفكرة عبر صحف المعارضة في عدن. وعلى الرغم من التأثيرات الخارجية، وخاصة ثورة يوليو 1952 المصرية، يرى الفسيل أن الأفكار كانت تنتقل باستمرار بين أحرار الداخل والخارج، وأن الحركة الوطنية كانت في جوهرها واحدة. طُرحت الجمهورية بصورة واضحة بعد فشل حركة 1955، لتتطور تدريجياً من نقاش فكري إلى عمل سياسي وتنظيمي.
استمر طرح قضية ولاية العهد كتكتيك لإحداث انقسامات داخل الأسرة الحاكمة، وليس كنموذج حكم نهائي. ومع اقتراب ثورة 1962، تجلى هذا التطور في انتفاضات 1959 التي هدفت إلى إقامة الجمهورية، رغم إجهاضها. انتقلت فكرة الجمهورية من النخب إلى الشباب والضباط، ولا سيما في تنظيم الضباط الأحرار، بالتزامن مع تآكل الأسس العقائدية للنظام الإمامي في وعي الناس. عوامل متعددة، منها استقلال الدول العربية، وفشل الحركات الإصلاحية، والتأثيرات الفكرية والإقليمية، ساهمت في بلورة الجمهورية كخيار سياسي أعلنته ثورة 26 سبتمبر، لتكون تتويجاً لمسار طويل من النضال الفكري والسياسي.