لا احد يذبح الجمهورية كما يفعل اعلام الاخوان
كشفت التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة التي شهدتها الساحة اليمنية على مدار العقدين الماضيين عن ارتباطات وثيقة ومثيرة للجدل بين الخطاب الإعلامي لحزب التجمع اليمني للإصلاح، ذراع تنظيم الإخوان المسلمين في اليمن، وبين الصعود التدريجي لمليشيات الحوثي الإرهابية وسيطرتها على مؤسسات الدولة والنظام الجمهوري.
وتؤكد مجريات الأحداث والوثائق التاريخية أن الآلة الإعلامية للإخوان لعبت دوراً محورياً في تعبيد الطريق أمام التمدد الحوثي، بدءاً من الحروب الست في صعدة، مروراً بأحداث 2011، وصولاً إلى سقوط العاصمة صنعاء في سبتمبر من عام 2014، وما تلاها من طعنات غادرة في خاصرة المشروع الجمهوري عبر استهداف شركاء الخندق الواحد في المعركة المصيرية الحالية.
صناعة المظلومية الحوثية وتسييس حروب صعدة
بدأت الجذور الأولى لتوظيف إعلام الإخوان لصالح المشروع الحوثي مع اندلاع الحرب الأولى في جبال مران بمحافظة صعدة عام 2004.
وتحت مظلة تكتل ما كان يطلق عليه اسم أحزاب اللقاء المشترك، سخر حزب الإصلاح منصاته المقروءة والمسموعة حينها، وعلى رأسها صحيفة الصحوة وموقع الصحوة نت، لمهاجمة القوات المسلحة اليمنية وتشويه عملياتها العسكرية ضد التمرد الحوثي الناشئ.
وركزت التغطية الإخبارية للإخوان على نزع الشرعية عن قرار الدولة في فرض هيبتها، واصفة الحروب الست بأنها حروب عبثية وتصفية حسابات.
هذا الضخ الإعلامي المكثف منح المليشيا الحوثية فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفها بعد كل جولة قتال، وتحول الخطاب الإخواني إلى نافذة حقوقية وسياسية تتبنى ما سُميت بمظلومية صعدة وإعادة الإعمار، ما ساهم في غسل جرائم الحركة الحوثية وتقديمها للرأي العام المحلي والدولي كفصيل مضطَهد يدافع عن نفسه، بدلاً من التعامل معها كحركة سلالية مسلحة متمردة على النظام والجمهورية.
منصات ساحات الشغب وغسل الخطاب الحوثي
شكلت أحداث 2011. المنعطف الأخطر الذي سمح للحركة الحوثية بمغادرة جبال صعدة والاندماج في المشهد السياسي والمدني في العاصمة صنعاء.
وعبر الخيام والمنصات التي أدارها حزب الإصلاح بالكامل في ساحة شوارع صنعاء، تم الاحتفاء بممثلي الحوثي ودمجهم تحت لافتة شماعة شباب الثورة السلمية.
واستخدم إعلام الإخوان كافة وسائله لتقديم الحركة الحوثية بثوب جديد يقوم على الشراكة والمدنية، وتم التغاضي المتعمد عن إرثها الطائفي والمسلح.
ولم يكتف الإعلام الإخواني بفتح المنابر لقيادات الحوثي، بل شن حملات منظمة لتفكيك مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وتشويه القيادات العسكرية الجمهورية التي خاضت حروب صعدة، مما أحدث فراغاً هائلاً في بنية الجيش اليمني تحت مسمى الهيكلة والتطهير، وهي الثغرة الاستراتيجية التي استغلتها المليشيا الحوثية لاحقاً للانقضاض على العاصمة.
وثائق التنسيق والتواطؤ الإعلامي في إسقاط عمران وصنعاء
تكشف المحاضر والوثائق والتقارير الموثقة لعامي 2013 و2014 عن حجم التواطؤ الإعلامي والسياسي الذي مارسه تنظيم الإخوان لتسهيل سقوط المحافظات الشمالية بيد الحوثيين. فخلال حصار واجتياح محافظة عمران وإسقاط اللواء 310 مدرع واستشهاد العميد حميد القشيبي، تبنى إعلام الإصلاح لغة التهدئة والتحييد وصوّر المعركة بأنها صراع قبلي بين الحوثيين وحاشد أو مواجهة خاصة بعائلة أولاد الأحمر، مضللاً الرأي العام عن الخطر الحقيقي المحدق بالنظام الجمهوري.
وعقب توقيع ما عُرف باتفاق السلم والشراكة وتزامن الحوارات المباشرة بين قيادات الإصلاح وعبد الملك الحوثي في صعدة، وبدعم مشترك وكبير من قناة الجزيرة التي تبث من قطر التزمت القنوات الإخوانية مثل يمن شباب وسهيل خطاباً إعلامياً مهادناً وداعياً للتعايش مع القوة الصاعدة، متجنبة وصف ما حدث بالانقلاب في أيامه الأولى، مما ساهم في تخدير الشارع اليمني وإجهاض أي مقاومة شعبية أو عسكرية حقيقية في العاصمة صنعاء ومحيطها القبلي.
تشتيت بوصلة المعركة واستهداف شركاء الخندق الواحد ضد الكهنوت
لم تتوقف الخدمات الإعلامية التي يقدمها تنظيم الإخوان للمشروع الحوثي عند حدود إسقاط الدولة، بل امتدت لتشمل مرحلة ما بعد انطلاق عمليات التحالف العربي واستعادة أجزاء واسعة من الوطن.
ففي الوقت الذي كان يفترض فيه توجيه الدعم الإعلامي الكامل لجبهات القتال ضد الحوثيين، انحرفت بوصلة المنصات الإخوانية الممولة من الخارج، مثل قنوات بلقيس والمهرية ويمن شباب، نحو اختلاق معارك جانبية وثانوية، وصبت هذه المنصات جام غضبها وحملاتها التحريضية ضد القوى الجمهورية الحية والفاعلة في الميدان.
هذا التحريض الإعلامي المستمر واستجرار صراعات الماضي عمل على تفتيت وحدة الصف الجمهوري وتشتيت جهود مجلس القيادة الرئاسي، وهو ما تترجمه مليشيا الحوثي فوراً إلى مكاسب ميدانية وسياسية عبر الاستفراد بالجبهات وتخفيف الضغط العسكري عنها.
التناغم الإعلامي في استهداف الملاحة الدولية ومواجهة التحالف
تطابق الخطاب الإعلامي لإعلام الإخوان مع الماكينة الدعائية الحوثية بشكل فاضح في العديد من الملفات الاستراتيجية والمصيرية.
ويبرز هذا التناغم في الهجوم المستمر على دول تحالف دعم الشرعية، ومحاولة تصوير المعركة في اليمن على أنها صراع مع قوى خارجية وليست حرباً وطنية ضد انقلاب سلالي غاشم.
كما تجلى هذا التنسيق غير المعلن في التعاطي مع الهجمات الحوثية الإرهابية على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، حيث عمدت وسائل الإعلام التابعة للإخوان إلى شرعنة هذه الهجمات ومباركتها تحت غطاء نصرة القضايا القومية، مستخدمة نفس المصطلحات والمبررات التي تروج لها مطابخ الحوثي في صنعاء، مما يعري حقيقة التخادم الأيديولوجي والسياسي بين الطرفين على حساب أمن اليمن واستقراره وسيادته.
طعنة في خاصرة الجمهورية
إن المحصلة النهائية للسياسة الإعلامية التي ينتهجها تنظيم الإخوان في اليمن تصب مباشرة في مصلحة تثبيت دعائم سلطة الانقلاب الحوثية في شمال البلاد.
فمن خلال الإصرار على شيطنة القوى المناهضة للمشروع الإيراني، وبث الإشاعات الرامية لزعزعة الثقة بالمؤسسات الشرعية، والترويج لإمكانية التفاهم والتعايش مع المليشيا الحوثية، يمارس إعلام الإصلاح طعناً غادراً ومتواصلاً في خاصرة النظام الجمهوري ومكتسبات ثورتي سبتمبر وأكتوبر. وتثبت الوقائع اليومية أن هذا التخادم الإعلامي ليس مجرد خطأ تكتيكي أو عفوية صحفية، بل هو استراتيجية ممنهجة تهدف إلى الحفاظ على مصالح التنظيم الحزبي والسياسي، حتى وإن كان الثمن هو تمكين الكهنوت الحوثي من رقاب اليمنيين وتدمير هوية اليمن وعروبته ومستقبل أجياله القادمة.