تقرير صحفي: رمضان في مناطق الحوثية.. موسم للجوع والجبايات واختبار مرير للبقاء

تقرير صحفي: رمضان في مناطق الحوثية.. موسم للجوع والجبايات واختبار مرير للبقاء

 

 تقرير ميداني خاص

 

يستقبل ملايين اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي شهر رمضان المبارك لعام 2026 وسط ظروف اقتصادية وأمنية هي الأصعب منذ سنوات، وبدلاً من أن يكون الشهر موسماً للسكينة والتراحم، تحول بفعل سياسات الميليشيا إلى محطة إضافية من المعاناة، حيث تتقاطع أزمات انقطاع الرواتب مع تصاعد الجبايات الجائرة وقمع الأصوات الناقدة.

 

فيما يلي عرض لأبرز محاور هذه المعاناة المنظمة التي تفرضها سلطات الأمر الواقع في صنعاء:

 

1. تجويع ممنهج: رواتب مقطوعة وموارد منهوبة

 

منذ عام 2016، ترفض الميليشيا صرف مرتبات موظفي الدولة، رغم استمرارها في تحصيل مئات الملايين من الدولارات شهرياً من إيرادات موانئ الحديدة، قطاع الاتصالات، الضرائب، والجمارك...الخ،  هذا الانقطاع حوّل موائد رمضان إلى أطباق من الخبز والزيت الرخيص، بعد أن عجزت آلاف الأسر عن تأمين أبسط الاحتياجات الأساسية كالدقيق والزيت، ناهيك عن اللحوم والفواكه التي غابت تماماً عن الموائد.

 

2. إرهاب الجبايات: خنق التجار وإفقار المستهلكين

 

تشن الميليشيا حملات جباية واسعة تحت مسميات طائفية وسياسية مثل "الزكاة"، "المجهود الحربي"، و"دعم القوافل". هذه الإتاوات غير القانونية، التي تقدر بمليارات الريالات سنوياً، تُجبر التجار على رفع الأسعار بشكل جنوني لتغطية الخسائر، مما يضع العبء الأكبر على كاهل المواطن البسيط الذي تآكلت قدرته الشرائية بالكامل. وتواجه عشرات المصانع في صنعاء خطر الإغلاق بسبب هذه السياسات، مما ينذر بموجة بطالة جديدة.

 

3. تسييس الزكاة: سلاح للسيطرة لا للإغاثة

 

حوّلت الميليشيا فريضة الزكاة والمبادرات الخيرية إلى أدوات للسيطرة السياسية والطائفية. حيث تمنع المبادرات المجتمعية المستقلة وتفرض شروطاً قاسية على فاعلي الخير، بينما توجّه أموال الزكاة المحصلة قسراً لصالح الموالين لها ولتعزيز أجندتها الطائفية، متجاهلةً مئات الآلاف من المحتاجين في الأرياف والأحياء الفقيرة الذين تُركوا لمواجهة مصيرهم بمفردهم.

 

4. تدمير القطاع الزراعي: جبايات جائرة وبذور فاسدة واحتكار للتصدير

 

لم يسلم المزارعون من هذه الانتهاكات؛ حيث مارست الميليشيا سياسات تخريبية شملت توزيع بذور فاسدة واستخدام مبيدات محظورة أدت إلى تلف محاصيل استراتيجية كالقمح والبطاطس،  كما عمدت إلى تصعيب امتلاك منظومات الطاقة الشمسية لإجبار المزارعين على شراء الوقود المرتبط بتجارتها الخاصة، وفرضت احتكاراً على عمليات التصدير عبر شركات حوثية، مما تسبب في كساد المحاصيل وإلحاق خسائر فادحة بالمزارعين.

 

5. القبضة الأمنية: قمع الحراك الرمضاني الرقمي

 

نتيجة المعاناة المتفاقمة والفساد المستشري تصاعدت الانتقادات الشعبية عبر منصات التواصل الاجتماعي، لجأت الميليشيا إلى سلاح الترهيب. وتلقى العديد من الناشطين والإعلاميين تهديدات مباشرة من أجهزة المخابرات الحوثية لإجبارهم على التوقف عن نشر أي محتوى يتناول معاناة الناس أو ينتقد الجبايات، ومطالبتهم بدلاً من ذلك بالترويج لخطابات زعيم الجماعة وتحميل الأطراف الخارجية مسؤولية الانهيار الذي تسببت فيه سياساتهم.

 

6. خنق العمل الإنساني: شبح المجاعة الوشيكة

تتعرض المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية

 لمضايقات مستمرة تشمل مصادرة المعدات، احتجاز الموظفين، والتدخل في كشوفات المستفيدين. هذه القيود دفعت كبرى المنظمات، مثل برنامج الأغذية العالمي، إلى تقليص أو وقف عملياتها، مما يضع ملايين اليمنيين على حافة مجاعة حقيقية، في ظل تحذيرات أممية من أن توقف المساعدات سيقود إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.

 

7. أرصفة الجوع.. انفجار ظاهرة التسول في شوارع "المدن المنسية"

تشهد شوارع العاصمة صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي انفجاراً غير مسبوق في ظاهرة التسول، التي لم تعد تقتصر على الفئات المهمشة تاريخياً، بل امتدت لتشمل عائلات بأكملها، ونساءً، وأطفالاً، وحتى موظفين حكوميين تقطعت بهم سبل العيش، ومع حلول شهر رمضان، تحولت الجولات والتقاطعات الرئيسية إلى مشاهد حية تعكس عمق الانهيار الاجتماعي؛ حيث تزدحم الأرصفة بطوابير من المتسولين والمتسولات الذين دفعهم الفقر المدقع وانقطاع الرواتب وغياب المساعدات الإغاثية إلى إراقة ماء وجوههم بحثاً عن لقمة تسد رمق أطفالهم. هذا المشهد المأساوي، الذي يتناقض صارخاً مع مظاهر الثراء الفاحش التي تبدو على قيادات الميليشيا والمقربين منها، يؤكد أن سياسة الإفقار المتعمدة قد بلغت ذروتها، محولةً كرامة المواطن اليمني إلى ضحية أخرى من ضحايا الحرب والنهب المنظم للموارد.

 

8. حصار "الأيادي البيضاء".. خنق المبادرات المجتمعية وفاعلي الخير

 

لم تكتفِ ميليشيا الحوثي بتجويع المواطنين ونهب رواتبهم، بل عمدت إلى فرض حصار خانق على فاعلي الخير والمبادرات الشبابية والمجتمعية التي تنشط عادةً في شهر رمضان. وتواجه هذه الجهود التطوعية سلسلة من الإجراءات القمعية، تبدأ بفرض تصاريح أمنية معقدة، وتمر بإجبار فاعلي الخير على تسليم المساعدات للمكاتب التابعة للميليشيا لتوزيعها وفق كشوفات طائفية وموالية، وصولاً إلى فرض جبايات مالية على المبادرات نفسها تحت مسميات مختلفة. هذا التضييق الممنهج يهدف إلى احتكار العمل الإغاثي وتحويله إلى أداة للاستقطاب السياسي، مما أدى إلى توقف الكثير من المطابخ الخيرية ومشاريع "إفطار الصائم" المستقلة، وحرم آلاف الأسر المتعففة من طوق النجاة الوحيد الذي كان يعينها على البقاء في ظل انهيار الدولة وتوقف المساعدات الدولية.

 

 

الخلاصة: يتحول رمضان في مناطق سيطرة الحوثيين من شهر للعبادة إلى اختبار يومي مرير للبقاء. إن الفقر هناك ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو نتيجة مباشرة لسياسة إفقار متعمدة تهدف إلى تحويل لقمة العيش إلى أداة لتركيع المجتمع وإخضاعه.

تقرير صحفي: رمضان في مناطق الحوثية.. موسم للجوع والجبايات واختبار مرير للبقاء الخبر السابق

تقرير صحفي: رمضان في مناطق الحوثية.. موسم للجوع والجبايات واختبار مرير للبقاء

قطاع الحج والعمرة في وزارة الأوقاف وتدوير الفاسدين الخبر التالي

قطاع الحج والعمرة في وزارة الأوقاف وتدوير الفاسدين