مقالات

التجارة بالأديان في التاريخ البشري ..!!

✍ ️إبراهيم ناصر الجرفي ..

إن التجارة بالأديان تجارة رائجة منذ قديم الزمن ‘ وإن تعددت أساليبها ووسائلها ‘ وإن تعددت الآلهة فيها ‘ واستغلال الجانب الروحي لدى الإنسان هو سبيلها لتحقيق أهدافها وغاياتها ‘ سواء كانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية ‘ كل ذلك رغم ما جاءت به الأديان السماوية من التوضيح والبيان والتحذير من استغلال الجانب الروحي استغلالاً سلبياً لتحقيق أغراض مادية أو مصالح دنيوية أو مطامع سلطوية ‘ لكن تجار الأديان وعبر التاريخ البشري لم تعييهم الحيلة من الالتفاف على الموانع الشرعية للإتجار بالدين ‘ من خلال التأويلات والتفسيرات والروايات ‘ ومن خلال التدليس والكذب ‘ وصولاً إلى التحريف المباشر في الكتب السماوية المقدسة كما حدث في التوراة والإنجيل ..!!

ليتحول رجال الدين والقساوسة في اليهودية والمسيحية إلى تجار دين من الطراز الأول ‘ حيث منحوا لأنفسهم الحق في إصدار صكوك الغفران ‘ وتوزيع مفاتيح الجنة ‘ مقابل مبالغ مالية كبيرة ‘ وفي مجال السياسة تقاسموا السلطة مع الملوك ‘ بحيث أن لهم سلطة التصرف في كل ما يتعلق بالشئون السماوية والروحية ‘ وللملوك سلطة التصرف في كل ما يتعلق بالشئون الأرضية والمادية ‘ في علاقة تكاملية استبدادية بين الطرفين ‘ ضحيتها الدين والمواطن ‘ وفي تجسيد للصورة السلبية للكهانة الدينية ‘ التي كانت سائدة في عصور تاريخية غابرة ‘ سواء في الحضارة الفرعونية القديمة ‘ أو في الحضارة الفارسية القديمة ..!!

حيث كانت الكهانة بمثابة القوة المخدرة للشعوب ‘ من خلال غرس ثقافة العبودية والخنوع والخضوع في أفكارهم باعتبارها جزء من الثقافة الدينية ‘ بل لقد وصل الحال في بعض الحضارات إلى تقديس الحاكم ومنحه صفات الألوهية كما كان سائداً في الحضارة الفرعونية ( الفرعون الإله ) ‘ أو كما كان سائداً في الحضارة الفارسية الساسانية ( كسرى نسل الآلهة ) ‘ لذلك لن نبالغ إذا قلنا بأن التجارة بالأديان كانت وما تزال في بعض المجتمعات هي التجارة الأكثر رواجاً والأكثر ربحية في عالم التجارة والاقتصاد ..!!

وليس ببعيد تلك المحاولات المستمرة لبعض تجار الدين في التاريخ الإسلامي ‘ وفي مقدمتهم فقهاء السلطة في كل زمان ومكان ‘ والذين عملوا على تسخير الدين في خدمة الحاكم من خلال اصدار الفتاوى والاحكام والتشريعات التي تتناسب مع توجهاته وتلبي رغباته ونزواته ‘ ونظراً لأن القرآن الكريم قد حفظه الله تعالى من التحريف والتبديل ‘ ونظراً لوضوح أياته وأحكامه غير القابلة للتفسير والتأويل خارج سياقاتها ومعانيها ‘ لجأ تجار الدين وفقهاء السلطة ومناصري المذاهب والطوائف والزنادقة إلي الأحاديث النبوية التي لم يتم تدوينها وكتابتها إلا بعد مرور قرن من الزمان على وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ‘ فكتبوا مئات الألآف من الأحاديث ونسبوها كذباَ وزوراَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام ‘ وجعلوا منها مادة تجارية رائجة ‘ حللوا من خلالها ما يريدون وحرموا ما يريدون ‘ حتى تم مراجعة تلك الأحاديث وتصحيحها ..!!

لكن رغم ذلك لا تزال هناك الكثير من الأحاديث الضعيفة تلقى رواجاً خصوصاً تلك التي تؤيد هذا المذهب أو ذاك أو التي تدعم هذه الطائفة أو تلك ‘ أو التي تؤيد السلطة الاستبدادية والقمعية الفردية ‘ أو التي تدعوا إلى الطاعة العمياء للسلطان ‘ أو التي تحرم المسلمين من حقهم في الشورى والمشاركة السياسية وهكذا ‘ ويبدو بأن التجارة بالأديان ظاهرة لا يمكن تجاوزها نظراً لإرتباطها الوثيق بالسلطة السياسية ‘ التي لن تستطيع الاستمرار في السيطرة على مشاعر الجماهير بدونها ‘ خصوصاً في المجتمعات التي لا تزال تعاني من التخلف والجهل والفقر ..!!

وما قيام الثورة العلمية في أوربا وتبني النظرية العلمانية ‘ إلا إعلاناً صريحاً من المجتمع الأوربي برفضه للتجارة بالأديان ‘ وذلك من خلال عزل السلطة الدينية عن السلطة الدنيوية ‘ وصولاً إلى منع السياسيين من استغلال الدين لتحقيق مصالحهم وأطماعهم السلطوية ‘ وقد لقيت هذه النظرية رواجاٌ واسعاً ونجاحاٌ كبيراٌ على كل الأصعدة ..!!

لكن الوضع يختلف في الاسلام لأنه لا يمكن فصل الجانب الديني عن الدنيوي ‘ فالإسلام دين ودولة ‘ لكن يبدو بأن هناك أحزاب وجماعات إسلامية تسعى لاستغلال الدين لبناء الدولة التي تريد ‘ وبالمواصفات التي تريد ‘ والتي تحقق أهدافها المذهبية ومصالحها الدنيوية وتلبي اطماعها السلطوية ‘ وليس الدولة التي ينشدها الإسلام ‘ القائمة على العدل والشورى والمساواة وحق الشعب في اختيار حكامه وعزلهم ‘ الدولة الاسلامية القائمة على التعدد والتنوع الإيجابي ‘ الدولة الإسلامية التي لامكان فيها للكهانة والخرافات والأساطير والتجارة بالدين ‘ الدولة الاسلامية التي تقدس الشرع وتحترم العقل وتدعم العلم والتعليم بإعتباره مفتاح الرقي والسبيل نحو اللحاق بركب الحضارة ‘ الدولة الإسلامية التي يكون الحاكم فيها مجرد خادم للرعية يحمى حرياتهم ويحافظ على حقوقهم ويسهر لتوفير الأمن والأمان والحياة الكريمة لهم ..!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: